في زمن انقلبت فيه الموازين الانسانية.. وتغيّرت فيه المعادلات الاخلاقية.. وتراجعت فيه القيم والمبادئ تحت ضغط المصالح والأنانيات السياسية والشخصية.. وحيث أصبحت الكراسي والسلطة والسعي وراءهما هو الهدف والمقصد لدى جماعات واحزاب الإخوان المسلمين، الذين وصلوا الى السلطة على حين غفلة عبر ركوب موجة تلك الثورات التي شهدتها دول ما يسمى ب"الربيع العربي"..
حيث قامت جماعات ذلك التنظيم الدولي بالإلتفاف على الثورات التي شهدتها تلك البلدان وسرقتها من ايدي الشباب الذين صنعوها وفجروها وضحوا بارواحهم وانفسهم ودمائهم في سبيلها.. عندما خرجوا الى الشوارع سلمياً من اجل حياة كريمة ينشودنها، في ثورات بدت في بدايتها عفوية وصادقة، قبل ان تتدخل ايادي العابثين والمتآمرين الخبيثة فيها لتخرجها عن مسارها الحقيقي، وتفرغها عن مضامينها الثورية الشعبية الصادقة واهدافها النبيلة التي انطلقت في البداية من اجلها..
واليمن واحدة من تلك الدول.. وثورة فبراير 2011م واحدة من تلك الثورات التي سُرقت وخُطفت، وحُرف مسارها، لتتحول الى أزمة سياسية بين الاطراف السياسية المتصارعة.. وتنتهي تلك الأزمة بمبادرات واتفاقيات فرضت على اليمنيين فرضاً لتنهي الأزمة بين القوى والاحزاب المتصارعة على السلطة في حينه، ولكنها لم تغير من الوضع المعيشي السيئ للشعب شيئاًً، بل ازداد سوءاً بعد اعتلاء تلك الجماعات سُدّة الحكم كما حصل في بقية البلدان الربيعية، نتيجة لقلة الخبرة السياسية والادارية لتلك الجماعات بل وانعدامها او شبه انعدامها..
حيث لم يكن لهم اي هم سوى الوصول الى السلطة، التي ظلوا متعطشين لها عقوداً من الزمن نتيجة اقصائهم من قبل الانظمة السابقة وحرمانهم لهم منها..
وحزب الاصلاح في اليمن الذي هو جزء من ذلك التنظيم الدولي لم يكن استثناءً، واهدافه ومطامعه لم تختلف عن اهداف ومطامع بقية الجماعة في مصر وتونس وليبيا وسوريا، وهي الوصول الى السلطة التي يسعون اليها منذ عقود باي ثمن..
فما ان وصل الحزب الى السلطة وترأس التحالف المشترك، الذي هو جزء منه، ما يسمى بحكومة الوفاق حتى كشر عن انيابه في وجه الشعب، ونبتت له قرون ناطحة، ومخالب جارحة، وانياب حادة قاطعة ينتقم بها من الشعب.. فانكشفت الحقيقة، وسقطت الاقنعة، ليظهر ذلك الوجه الحقيقي البشع الذي كانوا يخفونه خلف تلك الاقنعة..وسقطت معها كل تلك الشعارات الزائفة التي كانوا يرفعونها ويرددونها وهم في المعارضة.. وتباكيهم الزائف على الشعب جراء المعاناة المعيشية الصعبة التي يعانيها، وغلاء الاسعار، والجرع المتوالية عليه..الخ.. واذا بهم يجرعون الشعب جرعة قاتلة قاصمة للظهر، لا تُبقِ منه ولا تذر، ولجأوا الى أحقر الطرق والاساليب الخداعية والماكرة لتمرير تلك الجرعة.. حيث عمدوا قبل ذلك الى افتعال ازمة المشتقات النفطية التي طحنت الشعب طحناً لمدة اربعة اشهر كاملة، كان الناس يقفون طوابير امام محطات البنزين ساعات وايام وليالي لكي يحصلوا على لترات معدودة من الوقود لسياراتهم ومركباتهم، كل ذلك لكي يستسلم الشعب من بعدها، ويرضى بالجرعة كأهون الشرين.. اي نوع من الساسة او الجماعة المتسيسة بالدين هؤلاء ؟! واي سادية خبيثة زرعت في قلوبهم وتربوا ونشأوا عليها هؤلاء ؟!
لم يصدقوا بانهم وصلوا اخيراً الى السلطة.. فسعوا الى التمديد للحكومة بعد انتهاء فترتها المقررة في المبادرة الخليجية، مستعينين في ذلك بحلفائهم الاقليميين والدوليين ومجلس الأمن الدولي.. ووضعوا البلد تحت الوصاية الدولية والتدخلات الاجنبية.. وفرحوا واحتفلوا وهللوا وكبّروا بالقرار الاممي الذي وضع البلد والشعب بكامله تحت البند السابع.. فأي تاريخ مشرف هذا ؟! واي رصيد وطني تبقى لهم يراهنون عليه لقبول الشعب لهم للاستمرار في السلطة والحكم بعد ذلك كله ؟!
فتمسكوا بالكراسي وعضوا عليها بأسنانهم ونواجذهم، رغم عجزهم وفشلهم الذريع، مع بقية فرقائهم السياسيين، مالياً وسياسياً وادارياً في حل اي من مشكلات الشعب المتراكمة، بل اصبحوا هم المشكلة نفسها وليسوا الحل، بافتعال الأزمات التي خنقت الشعب خنقاً في الكهرباء ومياه الشرب والمشتقات النفطية وغيرها..
فانفجر الوضع.. وانفجر الشعب في وجوههم كقنبلة موقوته، كما فعل الشعب المصري ضد التنظيم الرئيسي هناك، في ثورة سلمية حضارية مشرفة دعى اليها زعيم وطني ظهر من تحت رُكامات الفساد وهياكله السود، حاملاً هموم الشعب ومنتصراً لمعاناته، لا يسعى الى السلطة ولا يريدها، بل ورفضها عندما عرضت عليه وقدمت له على طبق من ذهب مقابل تخليه عن الثورة وتراجعه عن مطالبه المجسده لمطالب الشعب.. لكنه رفض ذلك وانحاز لشعبه ومعاناته، حتى استحق عن جدارة لقب اول سياسي يمني لا يهرول الى السلطة في زمن المهرولين الى السلطة.. مع انه كان المستهدف من التمديد الذي سعوا اليه بغرض اقصائه وجماعته التي يتزعمها (انصار الله) من المشاركة في الحكومة خلافاً لما نصت عليه مخرجات الحوار الوطني.. ظناً منهم بانه يسعى للسلطة ويلهث وراءها كما هم..
كانت المؤشرات تنذر بكارثية الوضع، وحذر عدد كبير من الخبراء الاقتصاديين من الوضع الاقتصادي الكارثي الذي تتجه اليه البلد بسبب الفساد المستشري، وعجز وفشل هذه الحكومة وانعدام خبرتها السياسية والادارية، والطريقة البهلوانية التي كانت تدير بها البلد.. وخرجت المفوضية الاوروبية بإحصائية مرعبة عندما صرحت بأن 14.5 اربعة عشر مليون ونصف المليون يمني بحاجة الى مساعدات انسانية.. هذا قبل الجُرعة طبعاً !..
الا انهم تجاهلوا تلك الاحصائيات وتجاهلوا تلك التحذيرات.ولم يبادروا بأية حلول.. واصروا على التمديد استجابةً لأهوائهم ومطامعهم السلطوية الدنيئة، مهما كانت النتائج اكثر مأساوية واكثر كارثية.. وخرجوا بمسيرات ومظاهرات مضادة لمسيرات الشباب المناهضة والرافضة للتمديد في حينه..
ولو انهم رحموا انفسهم ورحموا الشعب في حينه، واكتفوا بتلك الفترة، ووافقوا على اجراء الانتخابات، ولم يسعوا الى التمديد، لكانوا احتفظوا بقليل من ماء الوجه، وحافظوا على كرامتهم قبل ان يخرج الشعب ضدهم ويطالب باسقاطهم واسقاط الجرعة، ويطالبهم بالرحيل من السلطة، في ثورة شعبية عارمة هي الأول من نوعها في التاريخ الحديث، حيث تطالب بإسقاط حكومة في بلد نظام الحكم فيه رئاسي، بعد ان اصابت الكراسي الحكومة بالتخمة والتبلد، ولم يستمعوا لأنين الشعب وصراخه، ولم يبادروا الى تقديم استقالتهم مع تزايد السخط الشعبي ضدهم، كما تفعل بقية الحكومات في مختلف انحاء العالم..
اي خاتمة سيئة لمشوارهم السياسي القصير هذا ؟! وأي نهايةٍ سياسية مخزية كانت تنتظرهم ؟! هل هو القدر يلعب لعبته هذه المرة لينهوا مشوارهم السياسي بهذه النهاية المخزية والغير مشرفة ؟!
ربما.. !
لكن لا شك بانها ايضاً لعنة الكراسي او لعنة "الربيع العربي" سمها ما شئت، اصابتهم مثلما اصابت الإخوان المسلمين في مصر، حيث المعقل الرئيسي للتنظيم، وقادتهم الى تلك النهاية المؤلمة والمخزية التي يعرفها الجميع..
لا نتمنى لهم نهايةً مخزية كتلك النهاية.. ولا نريد لهم خاتمة سياسية سيئة كتلك.ونتمنى ان يستجيبوا لصوت العقل وصوت الشعب الثائر.. وان يحذوا حذو بقية الاحزاب المشاركة في الحكومة، التي اعترفت واقرت بمطالب الثوار ومشروعية تلك المطالب.. وان يضعوا مصلحة البلد ومصلحة الشعب فوق اي اعتبار.. فالكراسي وسيلة وليست غاية..
والوطن يتسع للجميع.. قراءة من مصدر الخبر (الحق نت)

تعليقات فيس بوك :
إضف تعليقك :
إرسال تعليق